• محطات هامة في تاريخ الاسلام
  • التاريخ : الخميس 9 جمادى الاولى 1429

سَيِّدةُ عُشِّ آل مُحمَّد


 فنادى رجل منهم : إن كان تريدون ثمّة الوصول إلى الرضا فقد مات ! !
 فسرت هذه الشائعة بين أفراد القافلة كالبرق ، وهدّت اركانهم ، وكيف لا ؟ إنهم يسمعون خبر وفاة إمامهم ( عليه السلام ) .
 وكان ذلك سببا لتفرق افراد القافلة عن الإخوة الكرام .
 فتوجه الإخوة الثلاثة إلى شيراز ليلاً بعد أن غيروا البستهم حتى لا يعرفوا ، وتفرقوا فيها وتفرغوا للعبادة ، ولبثوا مدة دون أن يعرفهم أو يتوصل إليهم أحد .
 ولكن على أثر انتشار الجواسيس توصلوا إلى مكان أحمد بن موسى .
 فارسل الحاكم جيشاً كبيرا لاعتقاله . وكان أحمد بن موسى قد اختفى في دار أحد الموالين لهم ، فخرج من الدار يقاتلهم قتالاً مستميتاً دفاعاً عن نفسه .
 فماذا يا ترى يفعل فرد واحد أمام بلدة مخالفة وجيش كبير ؟ !
 إنه أظهر شجاعة عظيمة ، وكان بين فترة وأخرى يدخل الدار فيستريح . وعندما لم يتمكنوا منه لجأوا إلى الجيران ، وأحدثوا فجوة إلى تلك الدار عبر دار الجيران ز غافلوه وقتلوه في الموضع الذي نراه الاآن والمعروف بـ « شاه جراغ » .
 كما أنّهم قتلوا أخاه ُ حسيناً بالقرب من بستان ، وله مزار أيضاً في شيراز ويُعرف بالسيد « علاء الدين حسين » .
 وأما السيد محمد فلم يتمكنوا منه ، وعرف بكثرة العبادة ، ولذا كان يلقب بـ « محمد العابد » ، وتوفي ودفن في بقعته الشريفة من شيراز (1) .
بعد أن عرفنا ما حدث لهذا الركب ، تعالوا بنا نستطلع ما يجري على ركب السيدة المعصومة وإخواتها الآخرين .

(ب) ركب السيدة يحاصر في « ساوة »

كانت هذه القافلة تضم إثنين وعشرين علوياً ، وعلى رأسها السيدة فاطمة المعصومة ( عليها السلام ) وإخوتها : هارون (2) ، وفضل ، وجعفر ، وهادي (3) ، وقاسم ، وبعض من أولاد إخوتها ، وبعض الخدم (4) .
 فأرسل المأمون شرطته إلي هذه القافلة أيضاً ، فقتل ، وشرد كل من فيها ، وجرحوا هارون المذكور ، ثم هجموا عليه وهو يتناول الطعام فقتلوه (5) .
 وكان ذلك نهاية اليمة ومفجعة لهذا الركب من بني هاشم ، فقدت فيها السيدة المعصومة ( عليها السلام ) سائر إخوتها ، فشابهت مثيبتها بفقدهم مصيبة عمتها زينب ( عليه السلام ) في كربلاء .
 وخارت قواها وضعفت ، فسألت من حولها :
 ـ كم بيننا وبين قم ؟
 قالوا : عشرة فراسخ (6) .
 فقالت : إحملوني إليها (7) .
 وقبل أن نواصل معايشتنا مع السيدة المعصومة ( عليها السلام ) نتوقف قليلاً لنعرف شيئاً مما ذكره المعصومون ( عليهم السلام ) في فضل قم وأهلها .

(1 | ب) لماذا سميت هذه البلدة بـ « قم » ؟

في معجم البلدان : ـ قم ـ « قرية إسمها كمندان ، فأسقطوا بعض حروفها فسميت بتعريبهم (8) قما » (9) .
 وفي دائرة المعارف ا لإسلامية الشيعية : أنّ أصل إسمها « كم » ـ بمعنى قليل بالفارسية ـ إذ كانت عبارة عن قرية صغيرة ثم عربت بعد الفتح الإسلامي فصارت « قم » (10) .
 فهذان قولان مختلفان في سبب تسميتها بـ « قم » ، ولكن نفس التاريخ لا يوافقهما ، إذ إن تسميتها بذلك كان معروفاً قبل الفتح الإسلامي ، ومنذ زمن كسرى « أنوشروان » .
 ففي الأخبار الطوال : « . . . ثم قسم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع ، وولى كل ربع رجلاً من ثقاته ، فأحد الأرباع : خراسان ، وسجستان ، وكرمان ، والثاني إصبهان ، وقم ، . . . إلخ » (11) .
 وفي موقعة « جلولاء » التي كان من قادتها الصحابي الجليل حجر بن عدي ، هزم يزدجر فتحمل بحرمه وحشمه وما كان مع من أمواله وخزائنه حتى نزل قم (12) .
 فتسميتها بـ « قم » كان معروفاً قبل الفتح الإسلامي ، وعلى هذا فليس « الأشعريون » هم الذين سموها بـ « قم » كما ادعاه صاحب معجم البلدان .
 فما هو سبب تسميتها إذن ؟
 وباستعراض روايات المعصومين ( عليهم السلام ) ـ الذين هم ملاذنا وملجأنا دائماً وفي كل شيء ـ نجد ثلاث روايات في سبب هذه التسمية : ـ

 الرواية الاولى :

 عن الإمام الصادق (عليه السلام ) قال : « حدثني أبي ، عن جدي ، عن أبيه ، قال :
 قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما اُسري بي إلى السماء حملني جبرئيل على كتفه الأيمن ، فنظرت إلى بقعة بأرض الجبل حمراء أحسن لوناً من الزعفران ، وأطيب ريحاً من المسك ، فإذا فيها شيخ على رأسه برنس (13) .
 فقلت لجبرئيل : ما هذه البقعة الحمراء التي أحسن لوناً من الزعفران ، وأطيب ريحاً من المسك ؟
 قال : بقعة شيعتك وشيعة وصيك علي .
 فقلت : من الشيخ صاحب البرنس ؟
 قال : إبليس .
 قلت : فما يريد منهم ؟
 قال : يريد أن يصدهم عن ولاية أمير المؤمنين ، ويدعوهم إلى الفسق والفجور .
 فقلت : يا جبرئيل ! أهو بنا إليهم .
 فأهوى بنا إليهم أسرع من البرق الخاطف والبصر اللآمح .
 فقلت : قم يا معلون ! فشارك أعداءهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم ، فإن شيعة علي ليس لك عليهم سلطان » .
 فسميت « قم » (14) .

 والرواية الثانية :

 عن عفان البصري ، عن أبي عبدالله الصادق ( عليه السلام ) :
قال : أتدري لم سميت « قم » ؟
 قلت : الله ورسوله أعلم .
__________________________

[1] شبهاي پيشاور : ص 115 ـ 122 ، تحفة العالم : ج2 ص 28 .
[2] الحياة السياسية للإمام الرضا ( عليه السلام ) : ص 428 .
[3] لم يذكر أحد أن للإمام ولداً باسم هادي ولعله هارون وصحف .
[4] زندگاني حضرت معصومة ، نقلاً عن رياض الأنساب ومجمع الأعقاب .
[5] الحياة السياسية للإمام الرضا ( عليه السلام ) : ص 428 .
[6] أي خمسة وخمسون كيلومتراً تقريباً .
[7] ترجمة تاريخ قم : ص 213 .
[8] أي بتعريب الأشعريين الشيعة الذين نزلوا بها في عام 83 هـ ، وهم غير الأشعريين أصحاب المذهب الكلامي .
[9] معجم البلدان : ج4 ص 397 .
[10] دائرة المعارف الإسلامية الشيعية : ج3 ص229 و230 .
[11] الأخبار الطوال : ص 67 .
[12] المصدر السابق : ص 128 .
[13] البرنس : قلنسوة طويلة .
[14] علل الشرائع ص 572 باب 373 .

   
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly. All right reserved.