يجري التحميل
  • التاريخ : الجمعة 3 جمادى الثّانيه 1432

دلالة نص الغدير


           



ولسنا نحتاج أن نقف كثيراً عند دلالة (نص الغدير) ومعنى المولى، ولو أنّ الإنسان تجرد عن الخلفيات التاريخية

لمسألة الخلاف على الإمامة والخلافة من بعد رسول اللّه (ص) لم يتوقف كثيراً في دلالة الحديث.

ولو أنّ بعض هذا الإعلان والإشهار كان صادراً من رسول اللّه (ص) في غير هذا الأمر الذي اختلف فيه المسلمون

أشد الاختلاف، ودخل فيه العامل السياسي فعمّق الخلاف......

أقول: لو كان بعض هذا الإعلان والإشهار صادراً عن رسول اللّه (ص) في غير هذا الأمر لما اختلف فيه أحد من المسلمين.

فليس من المعقول ولا من المألوف أن ينزل رسول اللّه (ص) بجماهير المسلمين الذين يربو عددهم على مائة

ألف في ذلك الهجير الصائف من طريق عودة الحجيج إلى بلادهم، ويأخذ بيد عليّ (ع) أمام هذا الحشد الكبير

حتى يتبين آباطهما، ويشهر ولايته (ع) عليهم كولايته (ص) عليهم، إعلاناً، وإشهاراً، ويأمرهم أن يبلّغ الشاهد

الغائب... ثمّ يتزاحم المسلمون على عليّ (ع) ليهنئوه بالولاية... ثم لا يكون لذلك دلالة على (الوصيّة)، ولا يزيد

هذا الأمر كله على التذكير بفضائل عليّ (ع)، وردّ الاعتبار إلى الإمام عليّ (ع) عن شكوى أسرّ به بعض الأصحاب

إلى رسول اللّه (ص) في جفوة كانت بينه وبين عليّ (ع) في طريق عودتهم من اليمن... كما يقول الحافظ أبو

الفداء بن كثير في البداية والنهاية (5 / 227 حوادث سنة 10 هجري).

يقول أبو الفداء:

فصل في إيراد الحديث الدال على أنّه (ع) خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجّة الوداع قريب من

الجحفة - يقال له غدير خمّ - فبيّن فيها فضل عليّ بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان

معه بأرض اليمن.

ولا أعتقد أنّ الحافظ أبا الفداء بن كثير كان يرتضي لنفسه مثل هذا التسطيح والتبسيط للتاريخ بهذه الصورة لو

كان هذا الإعلام والإشهار في غير هذا الأمر من أمور المسلمين، ولم يكن محملاً بهذه التبعة التأريخية الثقيلة

من الحساسيات السياسية التي تراكمت حول قضية الخلافة السياسية بعد رسول اللّه (ص).

والتشكيك في دلالة (المولى) في النص كالتشكيك في دلالة الحديث والموقف والحشد الكبير الذي أشهر فيهم

رسول اللّه ولاية الإمام عليّ (ع) يومئذٍ على المسلمين.

ففي كثير من الطرق الصحيحة لهذا النص يسأل رسول اللّه (ص) أولاً: «ألست أولى بكم من أنفسكم ؟» وبعد أن

يقرّوا له بذلك الإيجاب. يقول: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

وهو نص في إرادة الإمامة من الولاية، أو كالنص، لا يكاد يرتاب فيه أحد إذا تجرد عن الرواسب التاريخية لهذا

الخلاف.

ولست أعرف بعد هذه المقدمة والاستفهام من رسول اللّه (ص) والإقرار من الناس بولاية رسول اللّه (ص) وجهاً

للتأمل والتوقف في معنى (المولى) في حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

وقد وردت هذه القرينة والسؤال والإقرار في صحاح الروايات كما ذكرنا من قبل.

ثم يعقّب رسول اللّه (ص) هذا الإعلان والإشهار لولاية الإمام علي (ع) بالدعاء لمن يواليه: «اللهم والِ من والاه،

وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

وهو دعاء خاص يتضمن معنى إعلان إمامة الإمام علي بن أبي طالب (ع) على المسلمين.

وقد ورد الدعاء في طائفة واسعة من ألفاظ روايات الغدير.

وإجمالاً إنّ قراءة مجردةً لنص الغدير بكل ظروفه والقرائن التي تحفُّ به، مجردةً عن مخلّفات الماضي ورواسبه

وحسّاسياته كافية لإثبات الوصية والولاية للإمام عليّ (ع) من بعد رسول اللّه (ص).

المصدر: مدخل إلى دراسة نَصّ الغَدير / سماحة العلامة الشيخ محمّد مهدي الآصفي.

Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved