• التاريخ : الأحد 5 جمادى الاولى 1432

افعال العباسيين تجاه الائمة عليهم السلام


           

   
  
   
علي الرغم من الضعف الذي انتاب هيكل الخلافة في هذا العصر ، والانحلال الذي بدا يستشري في اوصال الدولة العباسية ، فقد بقي العباسيون علي نفس المنوال الذي سار عليه اسلافهم ابان عصر القوة والزدهار في التصدي لمدرسة الائمة عليه السلام عليهم السلام وشيعتهم والنكاية بهم؛ذلك لان علاقة الحاكم بالامام تقوم علي اساس ثابت، وهو الخوف من نشاط الامام ودوره الايجابي في الحياة الاسلامية ، والشعور بخطورة هذا الدور حتي وصل لدي الزعامات العباسية في هذا الفترة الي درجة الرعب ، فطوقوا الامام بحصار شديد ورقابة صارمة عليه ، وتربصوا به وباصحابه ، واخيرا تامروا علي حياته فسقط شهيدا في محراب الجهاد ولما يبلغ الثلاثين.
كان العباسيون يعيشون اوضاعا سلبية علي مستوي الالتزام الديني ، وقدم غالبيتهم نموذجا سيئا في هذا الاتجاه ، فكانوا يضيقون ذرعا باي امام من معاصريهم ، لما يتمتع به من سمو المكارم ومن شخصية علمية وروحية فذة تجتذب مختلف اوساط الامة ، التي ترى في الامام الممثل الحقيقي لسيرة السلف الصالح والمصداق الاصيل لرسالة السماء، وعندما تري تلك الاوساط تذمر الامام في موافقه تجاه السلطة وعدم رضاه عنها تزداد تمسكاً به، ومن هنا يبرز تخوف السلطةمن الانقلاب على نظامها لمصلحة خط الامامة، الامر الذي تحرص معه على ربط الامام بالجهاز الحاكم وتقريبه بشتى الوسائل، كالسجن كما فعل الرشيد مع الامام الكاظم عليه السلام، او ولاية العهد كما فعل المأمون مع الامام الرضا عليه السلام، او الحجز والحصار كما فعل العباسيون من المعتصم الي المعتمد مع الامام الجواد والهادي والعسكري عليه السلام وذلك لدوام مراقبة الامام وتحديد حركته وفصله عن اتباعه ومواليه ومحبيه المؤمنين بمرجعيته الفكرية والروحية.
لقد رافق الامام العسكري عليه السلام اباه في رحلته المضيقة من المدينة المنورة الي سامراء ولما يزل صبيا، وذلك حينما استدعى الامام الهادي عليه السلام من قبل المتوكل الى عاصمة البلاط العباسي انذاك، ليكون محجوزا ومراقبا ومعزولا عن قاعدته العريضة، وبعد ان وافاه الاجل في سنة (254هـ) استمر العباسيون بسياستهم تلك تجاه الامام العسكري عليه السلام وكما يلي:
  
اولا : مراقبة الإمام عليه السلام وفرض الإقامة الجبرية عليه
فرض العباسيون المعاصرون للامام العسكري عليه السلام الاقامة الجبرية عليه كما فرضوا علي ابيه عليه السلام ، وعملواعلي الحد من حرية حركته ، سوي انهم اوجبوا عليه ان يركب الي دارالخلافة في كل اثنين وخميس (1) ، لكفكفة نشاطاته وليكون تحت مراي ومسمع الخليفة وجهازه الحاكم.
ولم يكن الركوب الي دارالسلطان برضا الامام عليه السلام كما لم يكن طريقة اليه مامونا ، فقد جاء في الرواية عن ابي الحسن الموسوي الخبيري قال : « حد ثني ابي ، انه كان يغشي ابا محمد عليه السلام بسر من راي كثيرا ، و انه اتاه يوما فوجده وقد قدمت اليه دابته ليركب الي دارالسلطان ، وهو متغير اللون من الغضب ، وكان يجيئه رجل من العامة ، فاذا ركب دعا له وجاء باشياء يشنع بها عليه ، فكان عليه السلام يكره ذلك... » (2).
اما موقف الامام العسكري عليه السلام ازاء الملاحقة والمحاصرة والمراقبة التي فرضتها السلطة لتقييد تحركاته وشل عمله العلمي والحيلولة دون اداء دوره القيادي تجاه قواعده المؤمنة به ، هو احاطة اعماله بالسرية والكتمان والحيطة الا بالمقدار الذي تسمح به الظروف ، كما سار علي نهج ابيه الامام ابي الحسن الهادي عليه السلام الذي عاني من الحصار والرقابة ايضا في اتخاذ الوكلاء والقوام الثقات الذين يمثلون خط الامامة الاصيل في اطراف البلاد الشاسعة ، ليكون الامام عليه السلام قادرا علي ممارسة دوره في نشرالوعي الديني والعقائدي ، والحفاظ علي مفاهيم الرسالة والقيم الاسلامية المقدسة ، والاتصال مع قواعده الشعبية في ظل تلك الظروف العصبية.
ومن هنا كانت له عليه السلام امتدادت واسعة في المواقع الاسلامية ، ويدل علي ذلك عملية تنظيم الوكلاء والقوام ، اذ كان له وكيل في كل منطقة له فيها اتباع وشيعتة ياتمرون بامره وينضوون تحت ولايته ، وكانوا يتصلون به عليه السلام عن طريق المراسلة او المكاتبة ، ويجيبهم عن طريق التواقيع الصادرة عنه ، ومن خلالها يمارس ايضا عملية عزل شخص او تعيين اخر مكانه ، ويعطي سائر ارشاداته لهذا وذلك من اصحابه.
وكان عليه السلام يتبع اقصي اجراءات الحذر والاحتراز في ايصال تلك التواقيع الى اصحابه و من بين تلك الاجراءات انه كان يضع بعض كتبه في خشبة مدورة طويلة ملء الكف كانها (رجل باب) ليرسلها الي العمري (3).
وكان اصحابه ايضا يدققون في خطه وياخذون منه نسخة لكي لايقعوا في محذور التزوير ، قال احمد بن اسحاق : « دخلت الي ابي محمد عليه السلام فسالته ان يكتب لانظر الي خطه فاعرفه اذا ورد ، فقال : نعم. ثم قال : يااحمد ، ان الخط سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ والقلم الدقيق فلا تشكن ، ثم دعا بالدواة » (4).
وكان الوكلاء والقيمون يحتاطون كثيرا في ايصال المال الامام عليه السلام وفي حمل مكاتباته وتواقيعه ، فتجد اوثق وكلائه واعظمهم شاناعثمان بن سعيد العمري السمان ، يتجربالسمن تغطية علي هذا الامرـ يعني علي نشاطه في مصلحة الائمة عليه السلام ـ وكان الشيعة اذا حملوا الي ابي محمد عليه السلام مايجب عليهم حمله من الاموال انفذوا الي ابي عمروا ، فيجعله في جراب السمن وزقاقه ، ويحمله الي ابي محمد عليه السلام تقية وخوفا (5).
ان المتبع لدراسة حياة الامامين العسكريين عليهما السلام يري ان المكاتيب والتواقيع قد اتخذت حيزاً واسعاً من مساحة تراثهما (6) ، كمايتبين له دورها في تعميق الوعي الاسلامي الاصيل ، وتعزيز مبادي مدرسة اهل البيت عليهم السلام ، والتمهيد لغيبة ولده الحجة عليه السلام من بعده ، فضلا عن المزيد من المكاتبات المتعلقة بالابواب الفقهية والمسائل الشرعية المبثوثة في كتب الفقه والمجاميع الحديثية ، وكان للوكلاء دور رئيسي في ايصالها من والي الامام عليه السلام.
ومن بين وكلاء الامام العسكري عليه السلام : ابراهيم بن عبدة النيسابوري(7) ، وايوب بن نوح بن دراج النخعي (8)، وجعفر بن سهيل الصيقل (9) ، وحفص بن عمرو العمري المعروف بالجمال (10) ، وعلي بن جعفر الهماني البركمي (11) ، والقاسم ابن العلاء الهمداني (12) ، وابوعمرو عثمان بن سعيد العمري ابنه محمد ، اللذان قال فيهما الامام العسكري عليه السلام علي ما رواه احمد بن اسحاق عنه عليه السلام: «العمري وابنه ثقتان فما اديا فعني يؤديان ، وما قالا فعني يقولان ، فاسمع لهما واطعهما ، فانهما الثقتان المامونان » (13). ومنهم ايضا محمد بن احمد بن جعفر القمي (14)، ومحمد بن صالح بن محمد الهمداني (15)، وغيرهم.
من هنا يتضح ان المراقبة والحصار والاقامة الجبرية وغيرها من الممارسات لم تقطع الامام عليه السلام بشكل كلي عن المناطق التي يتملك فيها اتباعا وجماهير تدين بامامته وتومن بمرجعيته ، بل استطاع ان يكسر بعض حاجز الحصار والاحتجاب القسري بالمكاتبة والوكلاء ، واتاح له هذا الاسلوب ان يمهد ذهنية شيعته كي تتقبل امر الغيبة دون مضاعفات وتداعيات قد تكون غير محمودة لولا هذا التمهيد.
   
ثانيا : إيداعه عليه السلام السجن
تعرض الامام العسكري عليه السلام خلال خلافة المعتز والمهتدي والمعتمد الي السجن اكثر من مرة ، وكانوا يوكلون به اشخاصا من ذوي الغلظة علي ال ابي طالب والعداء لاهل البيت عليه السلام من امثال : علي بن اوتامش (16)، واقتامش(17)، ونحرير(18)، وعلي بن جرين ، وكان المعتمد يسال علي بن جرين عن اخباره عليه السلام في كل مكان و وقت ، فيخبره انه يصوم النهار ويصلي الليل (19)، كما كان العباسيون يدخلون علي بعض مسؤولي السجن ومنهم صالح بن وصيف ، فيوصونه بان يضيق عليه ويؤذيه (20).
وكانوا لايفارقونه حتي في الاعتقال حيث كانت الرقابة السرية تطارده واصحابه بدس الجواسيس بين اصحابه في السجن ، وكان احدهم يدعي انه علوي وهو جمحي ، وقد هيا كتابا جعله في طيات ثيابه كتبه الي السلطان يخبره بما يقولون ويفعلون (21).
ويصف ابو يعقوب اسحاق بن ابان طريقة حراسة السجن الذي يودع فيه الامام عليه السلام ومراقبته الصارمة بقوله : « ان الموكلين به لايفارقون باب الموضع الذي حبس فيه عليه السلام بالليل والنهار ، وكان يعزل الموكلون ويولي اخرون بعد ان تجدد عليهم الوصية بحفظه والتوفر علي ملازمة بابه » (22).
اما موقف الامام عليه السلام من السجن والسجانين ، فهو اقامة الحجة الواضحة عليهم عن طريق افعاله وزهده وعبادته وصلاحه ، وقد استطاع من خلال هذا الاسلوب ان يفرض هيبته علي غالبيتهم ، حتي ان بعضهم يرتعد خوفا وفزعا بمجرد ان ينظر اليه ، قال بعض الاتراك الموكلون به حينما كان في سجن صالح بن وصيف : « ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله ، ولايتكلم ولايتشاغل بغير العبادة ، فاذا نظر الينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لانملكه من انفسنا » (23).
وحينما حل في سجن علي بن اوتامش ، وكان شديد العداوة لال البيت عليه السلام غليظا علي ال ابي طالب ، فضلا عن انه اوصي من قبل السلطة بان يفعل به ويفعل علي ماجاء في الرواية ، لكنه تاثر بهدي الامام عليه السلام ومكارم اخلاقه ، فوضع خده علي الارض تواضعا له ، وكان لايرفع بصره اليه اجلالا واعظاما ، وخرج من عنده وهو احسن الناس بصيرة واحسنهم فيه قولا (24).
وحينما اوصي العباسيون صالح بن وصيف عندما حبس ابومحمد الحسن العسكري عليه السلام عنده بان يضيق عليه ، قال لهم صالح وهو يلعن اعتذاره وعجزه عن هذا الامر : « ما اصنع به وقد وكلت به رجلين من شر من قدرت عليه ، فقد صاروا من العبادة والصلاة والصيام الي امر عظيم ». (25)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المناقب لابن شهر اشوب4 : 446 ، الغيبة/الشيخ الطوسي : 215/179.
(2) الغيبة للشيخ الطوسي : 206/174ـ مؤسسة المعارف الاسلامية ـ قم ـ 1417هـ ، بحارالانوار50 : 276/50.
(3) راجع الرواية في مناقب ابن شهر اشوب4 : 460.
(4) المناقب لابن شهراشوب4 : 466 ، بحارالانوار50 : 286.
(5) الغيبة الطوسي : 354/314.
(6) راجع مجلد الثاني من كتاب (معادن الحكمة في مكاتيب الائمة عليهم السلام) للمولي محمد علم الهدي ابن الفيض الكاشاني ، المتوفي سنة1115هـ ، مكتبة الصدوق ـ طهران ـ وبالنظر لكثرة التواقيع والمكاتبات فقد اتخذت مادة للتاليف ، فالف عبدالله بن جعفر الحميري كتاب (مسائل الرجال ومكاتباتهم ابا الحسن الثالث عليه السلام) وكتاب (مسائل لابي الحسن علي يد محمدبن عثمان العمري) و (مسائل ابي محمد وتوقيعات). والف علي بن جعفر الهماني مسائل لابي الحسن عليه السلام. راجع : رجال النجاشي : 220/573 ترجمة محمد بن جعفر الحميري ، نشر جماعة المدرسين ـ قم ـ 1416هـ ومعجم رجال الحديث للسيد الخوئي11 : 293/7968 ـ ترجمة علي بن جعفر الهماني ـ دارالزهراء ـ بيروت ـ1403هـ .
(7) معجم رجال الحديث1 : 250/205.
(8) رجال النجاشي : 102/254.
(9) معجم رجال الحديث4 : 73/2169.
(10) معجم رجال الحديث6 : 144/3800.
(11) معجم رجال الحديث11 : 293/7968.
(12) راجع : مصباح المجتهد للشيخ الطوسي : 826 ـ اعمال شعبان ـ بيروت ـ مؤسسة فقه الشيعة ـ 1411هـ .
(13) الغيبة للشيخ الطوسي : 360/322.
(14) معجم رجال الحديث14 : 318/10080.
(15) معجم رجال الحديث16 : 184/10967.
(16) في بعض المصادر : بارمش اونارمش.
(17) راجع : اصول الكافي/للشيخ الكليني1 : 508/8باب مولد ابي محمد الحسن بن علي من كتاب الحجة ـ دارالاضواء ـ بيروت ـ 1405هـ ، الارشاد للشيخ المفيد2 : 329 ـ مؤسسة ال البيت عليهم السلام ـ قم ـ 1413هـ ، المناقب لابن شهر اشوب 4 : 462.
(18) راجع : اصول الكافي1 : 513/26 من الباب السابق ، الارشاد2 : 334.
(19) اثبات الوصية/المسعودي : 253 ـ انصاريان ـ قم ـ 1417هـ ، مهج الدعوات/السيد ابن طاووس : 343 ، بحارالانوار50 : 314.
(20) اصول الكافي1 : 512/23 من الباب السابق ، الارشاد2 : 334 ، المناقب لابن شهر اشوب4 : 462.
(21) المناقب لابن شهر اشوب4 : 470 ، اعلام الوري2 : 141 ، الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي2 : 682/1و2 ـ مدرسة الامام المهدي عليه السلام ـ قم ، بحار الانوار50 : 54/10و312/10.
(22) بحارالانوار50 : 304/80عن عيون المعجزات.
(23) الكافي1 : 512/23من الباب السابق ، الارشاد2 : 334.
(24) الكافي1 : 508/8 من الباب المتقدم ، الارشاد2 : 329.
(25) الكافي1 : 512/23 من الباب المتقدم ، الارشاد2 : 334.
   
   
   
المصدر: الإمام الحسن العسكري عليه السلام سيرة وتاريخ http://www.alkadhum.org/other/mktba/sira/imam-hassan/index.htm
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved