• التاريخ : الاثنين 28 جمادى الاولى 1432

انتشار الاسلام في المدينة


           

مر في تعبير القمي في تفسيره: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث إلى المدينة مع الاثني عشر نقيباً في بيعة العقبة الأولى: مصعب بن عمير بن هاشم يصلي بهم. فكان يصلي بهم ويقرئهم القرآن حتى سمي بينهم بالمقرئ، وحتى لم تبق دار في المدينة إلا وفيها رجال ونساء مسلمون. ومر في تعبير ابن شهرآشوب في " المناقب ": ثم أنفذ النبي (عليه السلام) معهم (ابن عمه) مصعب بن عمير بن هاشم، فنزل دار أسعد بن زرارة، فاجتمعوا عليه وأسلم أكثرهم. أما لماذا نزل دار أسعد بن زرارة؟ فقد ذكر في أخبار حصار قريش لبني هاشم في شعب أبي طالب (رضي الله عنه) عن الطبرسي في " إعلام الورى " عن علي بن إبراهيم القمي قال: كان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهورا طويلة، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم " يوم بعاث " وكانت للأوس على الخزرج. وكان عبد الله بن أبي بن سلول شريفا في الخزرج، ولكنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعنهم على الأوس وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا أعين على الظلم. فرضيت به الأوس والخزرج واجتمعوا على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وحتى أنهم اتخذوا له إكليلاً احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها. وكان أسعد بن زرارة (الخزرجي من بني النجار أخوال الرسول) صديقاً لعتبة بن ربيعة المخزومي، فخرج هو وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، فلما نزل على عتبة قال له: انه كان بيننا وبين قومنا حرب، وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم. فقال عتبة: بعدت دارنا عن داركم، ولنا شغل لا نتفرغ معه لشئ! قال أسعد: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شبابنا وفرق جماعتنا. فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفا وأعظمنا بيتا. وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير وقريظة وقينقاع: أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره إلى المدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب! فلما سمع ذلك الكلام من عتبة وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود فقال: أين هو؟ قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم الا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه. فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لابد لي أن أطوف بالبيت؟ فقال: ضع في أذنيك القطن. فدخل أسعد المسجد وقد حشا اذنيه من القطن. فطاف بالبيت ورسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني! أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا نعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم؟ ! ثم أخرج القطن من اذنيه ورمى به وقال لرسول الله: أنعم صباحاً ! فرفع رسول الله رأسه إليه وقال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم. فقال له أسعد: ان عهدك بهذا لقريب. إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدعوكم إلى: (أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فلما سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله. يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج وبيننا وبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة، فان وصلها الله بك فلا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي فان دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك. والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك. والله ما جئت الا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له. ثم أقبل ذكوان. فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته، فهلم وأسلم. فأسلم ذكوان. ثم قالا: يا رسول الله، ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك. وكان مصعب بن عمير بن هاشم فتى حدثاً مترفاً بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم، فلما أسلم جفاه أبواه، ولم يخرج من مكة فكان مع رسول الله في الشعب حتى تغير وأصابه الجهد، وقد كان تعلم من القرآن كثيراً. فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخروج مع أسعد فخرج هو مع أسعد إلى المدينة، فكان نازلاً على أسعد بن زرارة، يخرج معه في كل يوم يطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الاسلام فيجيبه من كل بطن الرجل والرجلان من الأحداث. فقال أسعد لمصعب: ان خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فان دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا، فهلم نأتي محلتهم. فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ. فبلغ ذلك سعد بن معاذ فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني إن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شبابنا، فاته وانهه عن ذلك. فجاء أسيد بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب بن عمير: ان هذا الرجل شريف، فان دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا فاصدق الله فيه. فلما قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة، يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا ولا تفسد شبابنا واحذر الأوس على نفسك! فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمراً فان أحببته دخلت فيه وإن كرهته نحينا عنك ما تكرهه. فجلس ، فقرأ عليه سورة من القرآن. فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر ثم خرج وعصر ثوبه ثم قال: اعرض علي. فعرض عليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الآن خالك واحتال عليه في أن يجيئك! فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: أقسم أن أسيداً قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب به من عندنا !. فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ! - وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك ! فقام سعد مغضباً مبادراً تخوفاً للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يد أسيد ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً ! ثم خرج إليهما. فلما رآه أسعد قال لمصعب: أي مصعب، جاءك - والله - سيد من وراءه من قومه ان يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان! ولما رآهما سعد مطمئنين عرف أن أسيداً انما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشمتاً وقال لأسعد: يا أبا أمامة، أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني! أتغشانا في ديارنا بما نكره ؟ ! فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فان رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وان كرهت عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه من القرآن (بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . . . ) فلما سمعها بعث إلى منزله فاتي بثوبين طاهرين فاغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين، ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحداً. ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف، لا يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي الا أن يخرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب. فلما اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا ولا نرد لك أمراً فمرنا بما شئت. فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والحمد لله الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة. وشاع الاسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين أشرافهم ، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود. وكتب مصعب إلى رسول الله بأن الأوس والخزرج قد دخلوا في الاسلام، فلما بلغ ذلك رسول الله أمرهم بالخروج إلى المدينة، فكانوا يتسللون إليها رجلاً رجلاً، فينزلهم الأوس والخزرج عندهم ويواسونهم. روى ذلك الطبرسي في " إعلام الورى " عن علي بن إبراهيم القمي، ولا يوجد الخبر في الموجود المطبوع من تفسيره، وروى في تفسيره " مجمع البيان " عن ابن سيرين قال: اجتمع الأنصار إلى أسعد بن زرارة وقالوا له: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله عز وجل ونشكره. فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فاجعلوا يومنا يوم العروبة (وهي اسم الجمعة في الجاهلية فتوافقوا عليه). فاجتمعوا فيه إلى أسعد بن زرارة، فذبح لهم شاة، ثم ذكرهم وصلى بهم، ثم تغدوا وظلوا حتى تعشوا عنده من تلك الشاة، وذلك لقلتهم، فسموه يوم الجمعة لاجتماعهم إليه فيه. فهذه أول جمعة جمعت في الاسلام  حيث صلوا فيه مع أسعد بن زرارة فريضة ظهر يوم الجمعة جماعة ، قبل قدوم الرسول وتشريع صلاة الجمعة والخطبتين قبلها. وروى ابن إسحاق بسنده عن كعب بن مالك الأنصاري قال: كان ( أسعد بن زرارة ) أول من جمع بنا بالمدينة في هزم (بني) النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. وهم يومئذ أربعون رجلا. ولعله كان بعد رجوع مصعب بن عمير إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية.


المصدر:موسوعة التاريخ الإسلامي - محمد هادي اليوسفي - ج 1 - ص 701 - 708
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved